الشيخ محمد رشيد رضا

110

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصلاة إلى غير قبلتهم لا نقبل عند اللّه تعالى ، ولا يكون صاحبها على دين الأنبياء ، والمسلمون يرون ان الصلاة إلى المسجد الحرام هو كل شيء لأنه قبلة إبراهيم وأول بيت وضع لعبادة اللّه تعالى وحده - فأراد اللّه تعالى أن يبين للناس كافة أن مجرد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البر المقصود من الدين ، ذلك ان استقبال الجهة المعينة إنما شرع لأجل تذكير المصلي بالاعراض عن كل ما سوى اللّه تعالى في صلاته والاقبال على مناجاته ودعائه وحده . وليكون شعارا لاجتماع الأمة . فتولية الوجه وسيلة للتذكير بتولية القلب ، وليس ركنا من العبادة بنفسه ، وأن يبين لهم أصول البر ومقاصد الدين فقال لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص بنصب البر والباقون برفعه وكلاهما ظاهر - والبر بكسر الباء لغة التوسع في الخير مشتق من البر بالفتح وهو مقابل البحر في تصور سعته كما قال الراغب - وشرعا ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من الايمان والاخلاق والأعمال الصالحة . وتوجيه الوجوه إلى المشرق أو المغرب ليس هو البر ولا منه بل ليس في نفسه عملا صالحا كما تقدم شرحه في آيات تحويل القبلة وأحلنا فيه على هذه الآية التي بين اللّه فيها مجامع البر وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ قرأ الجمهور لكن بالتشديد ونافع وابن عامر بالتخفيف أي ولكن جملة البر هو من آمن باللّه الخ وفيه الاخبار عن المعنى بالذات وهو معهود في الكلام العربي الفصيح ، والقرآن جار على الأساليب العربية الفصحى ، لا على فلسفة النحاة وقوانينهم الصناعية ، وبلاغة هذه الأساليب إنما هي في إيصال المعاني المقصودة إلى الذهن على أجلى وجه يريده المتكلم وأحسن تأثير يقصده ، ومثل هذا التعبير لا يزال مألوفا عند أهل العربية على فساد ألسنتهم في اللغة ، يقولون : ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك ولكن الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب . فالكلام مفهوم بدون أن نقول إن معناه : ولكن ذا الكرم من يعطي أو لكن الكرم عطاء من يعطي . وإنما نحن في حاجة إلى بيان النكتة في اختيار ذلك على قول : ولكن البر هو الايمان باللّه الخ وهذه النكتة مفهومة من العبارة فإنها تمثل لك المعنى في